Logo TrendX

تقرير

القوة الناعمة السعودية.. تقدم عالمي وصدارة إقليمية

على وقع تحولات لافتة تشهدها المملكة منذ إطلاق رؤية 2030، في مجالات حياتية مختلفة عبر مبادرات تنموية واقتصادية وسياسية واجتماعية، وانفتاح على العالم، كانت القوة الناعمة إحدى الركائز التي أولتها المملكة اهتماماً كبيراً، فعززت من حضورها عالمياً، محققة صعوداً هذا العام، جعلها في المرتبة الـ19 عالمياً، حسب مؤشر “القوة الناعمة”، الذي تصدره “براند فاينانس”.

كيف صعدت المملكة إلى ذلك الترتيب العالمي هذا العام، متقدمة 5 مراكز عن العام السابق؟ وما ملامح القوة الناعمة السعودية؟ وكيف تشكّل ذلك الصعود العالمي والتقدم على مؤشر القوة الناعمة؟ في السطور التالية نعرج على هذه النقاط، مسلطين الضوء على مفهوم القوة الناعمة وأهميتها، وملامح القوة الناعمة السعودية وما أسباب ذلك الصعود ومصادره وأدواته.

ما القوة الناعمة؟

كان ذلك في العام 1990، حين طرح المفكر الاستراتيجى الأمريكي جوزيف ناى مفهوماً جديداً فى العلاقات الدولية هو “القوة الناعمة”، التي تُعلي “قوة النموذج” على “نموذج القوة”، مؤكداً أهمية حضور الدولة عالمياً بقيمها وإرثها الثقافي والفني، وما تحققه في مجالات التعليم والعلاقات الدبلوماسية والأداء الحكومي في المجالات التنموية والاجتماعية، لتجتذب الملايين حول العالم.

وحسب تقرير “براند فاينانس”، فإنه يمكن تعريف “القوة الناعمة” على أنها استعمال تقنيات الجاذبية الإيجابية والإقناع في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للسياسة الخارجية للدولة، علماً بأن القوة الناعمة تتجنب استخدام الوسائل التقليدية للسياسية الخارجية التي تعتمد على نظرية “العصا والجزرة”، بل تستخدم وسائل أخرى، تسعى من خلالها الدولة للتأثير على شعوب البلدان الأخرى، مستثمرة في ذلك علاماتها الوطنية في الأنشطة المتعلقة بالعلاقات العامة، وترويج ثقافتها وسياستها الداخلية.

تجليّات القوة الناعمة السعودية

انطلاقاً من التعريفات السابقة، يمكن القول إن المملكة سارت على هذا النهج لتعزيز حضورها عالمياً، وهو حضور مدفوع بما تحقق على أرض الواقع في مجالات مختلفة انطلاقاً من رؤية 2030 ومستهدفاتها، فها هي تقدم مساعدات إنسانية وتنموية جبارة إلى مختلف دول العالم التي تضربها الأزمات الإنسانية والكوارث الطبيعية.

وقد بلغت قيمة هذه المساعدات نحو 95 مليار دولار على مدار 70 عاماً، وفق تصريحات للمهندس وليد الخريجي، نائب وزير الخارجية، خلال كلمته في اجتماع الدورة الـ 160 لجامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، في السادس من سبتمبر الجاري.

سياسياً، برز حضور المملكة في العديد من الملفات السياسية الشائكة في الوطن العربي، فهي التي حاولت جمع طرفي الصراع في السودان على مائدة حوار واحدة لحل الأزمة المشتعلة في البلد العربي، وسعيها لتهدئة التوترات في المنطقة مع الدول الإقليمية وعلى رأسها إيران وتركيا.

سينمائياً، تجلّى حضور المملكة في شهر مايو الماضي في مهرجان “كان” السينمائي” العريق، إذ كانت 8 من الأفلام المعروضة فيه ممولة من المملكة.

صعود عالمي

في 2022 احتلت المملكة المرتبة 24 عالمياً على مؤشر “القوة الناعمة” الذي تصدره “براند فاينانس”، محققة درجة تقييم بلغت 47.1%، فيما شهد العام الجاري 2023 صعوداً لافتاً للمملكة؛ فتقدمت 5 مراكز عن العام السابق 2022، لتحتل المرتبة 19، وتظهر لأول مرة في قائمة أعلى 20 دولة في العالم، على مؤشر القوة الناعمة، بدرجة تقييم بلغت 51.3%، لتتقدم على دول بلجيكا وسنغافورة وفنلندا وتركيا وقطر.

1
ويعتمد تقرير “براند فاينانس” على عدة مؤشرات هي: العلاقات العالمية، والألفة والشهرة، والسمعة، والتأثير، والتجارة والأعمال، والحوكمة، والتراث والثقافة، والإعلام والاتصال، والناس والقيم، والاستدامة، والتعليم والعلوم.

2

وجاء تقييم المملكة في كل مجال على التوالي كالآتي:

3

صدارة إقليمية

جاءت المملكة صاحبة المركز الـ19 عالميًا بنسبة تقييم 51.3%، في صدارة دول الشرق الأوسط في “القوة الناعمة”، وفق بيانات مؤشر “براند فاينانس”.

ومن الدول العربية، حلّت في المرتبة الثانية على مستوى منطقة الشرق الأوسط، بنسبة تقييم بلغت 49.9%، وضعتها في المركز 24 عالميًا، بينما جاءت الكويت بالمرز الرابع في المنطقة بنسبة تقييم بلغت 44.3%، في حين تحتل المركز 24 عالميًا.

4

وأوضح تقرير “براند فاينانس” أن ترتيب مركز المملكة على مستوى الشرق الأوسط، جاء بحسب، الألفة والشهرة، والسمعة، والتأثير، والعلاقات الدولية.

5

أسباب صعود المملكة في 2023

أرجع تقرير “براند فاينانس” التقدم الذي أحرزته المملكة هذا العام على مؤشر “القوة الناعمة” هذا العام إلى 7 عوامل؛ الأول: العلاقات الدولية التي بذلها الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، عبر تعزيز العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع دول مختلفة. والثاني: رؤية السعودية 2030 ومشاريعها ومبادراتها، فضلاً عن الاستقطابات والجذب العالمي لها، وهو ما ساهم في ارتفاع المؤشر الفرعي في التقييم، الأمر الذي انعكس بدروه على التقدم اللافت في الترتيب هذا العام.

أما العامل الثالث فتمثل في الحوكمة التي تميزت بها المملكة في صناعة القرار، الأمر الذي كان له تأثير كبير على التقدم هذا العام على مؤشر القوة الناعمة، فيما جاءت العناية بالتراث والثقافة كعامل رابع ساهم في تقدم المملكة على دول تملك ثقافة وتاريخ معروف في العالم ويُعد مصدر سمعة لها عالمياً.

وتمثل العامل الخامس في مجال الإعلام والاتصال، الذي اعتبر التقرير أن التقدم فيه هذا العام كان جيداً مقارنة بالعام السابق، بالرغم من الإشارة إلى أهمية العناية بذلك العامل لأنه سيطعي المزيد من التقدم.

ومثلت الاستدامة العامل السادس الذي دفع المملكة إلى التقدم عالمياً على مؤشر القوة الناعمة، وذكر التقرير أن الاستدامة في المملكة “تعتبر مؤثر قوي في تقدم المؤشر، وهو ما أعطى أثر على التقدم هذا العام”، أما العامل السابع فهو التجارة والأعمال الذي اعتبرها التقرير واحدة من المؤشرات القوية للسعودية، وساهمت بشكل كبير في تقدم المملكة، خاصة وأن الدور الاقتصادي هو دور سيادي عالمي يترك أثراً نوعياً كما يحظى بمكانة عالية في القوة الناعمة السعودية، سواء على مستوى التفاقيات الاقتصادية أو الاقتصاد السعودي القوي وأذرعه المستدامة، مثل صندوق الاستثمارات العامة وشركة أرامكو.

الشركات الخاصة والقوة الناعمة السعودية

استعرض تقرير “براند فاينانس” أهمية الشركات الخاصة وتأثيرها على القوة الناعمة للدول، موضحاً أنه من بين أعلى 10 شركات وعلامة تجارية قيمة في الشرق الأوسط لعام 2023، كانت هناك 5 شركات سعودية، هي: أرامكو، وstc، ومصرف الراجحي، وسابك، والبنك الأهلي السعودي.

الأمر الذي ساهم في تقدم المملكة هذا العام وصعودها على مؤشر القوة الناعمة.

7

علامات تجارية سعودية في الصدارة

تحدث تقرير “براند فاينانس” عن العلامات التجارية الخاصة الأكثر قيمة في العالم، وقد بلغ عدد العلامات التجارية السعودية الخاصة في القائمة 40 شركة، بلغ مجموع قيمتهم الكلية 100.9 مليار دولار، ما يساوي 49.2% من قيمة مجموعة أعلى 150 علامة تجارية عربية.

• أرامكو: ذكر التقرير أن شركة أرامكو السعودية عملاق النفط، لا تزال الشركة الأعلى قيمة بلا منافس في الشرق الأوسط، والأولى عالمياً في مجال البترول، وقد ارتفعت قيمتها بنسبة 4% لتصل إلى 45.2 مليار دولار خلال العام الماضي.

• stc: احتلت شركة الاتصالات السعودية stc المركز الثالث عربياً، والأول في مجموعة الإمارات للاتصالات بعد زيادة بنسبة 16.7% لتصبح قيمتها 12.3 مليار دولار.

• مصرف الراجحي: احتل مصرف الراجحي المركز السادس عربياً، بعدما حقق زيادة بنسبة 32.2% لتصبح قيمته الكلية 5.7 مليار دولار.

• سابك: تُعد سابك الشركة الأكثر قيمة في مجال المواد الكيميائية في الشرق الأوسط، والرابعة عالمياً، والثامنة عربياً في قائمة أعلى العلامات التجارية، بعد هبوطها من المركز السابع، علماً بأن قيمتها الكلية تبلغ 4.7 مليار دولار.

• البنك الأهلي السعودي: صعد البنك الأهلي السعودي snb إلى المركز التاسع من المركز الـ13، بعدما حقق نمواً بنسبة 36.4%، لتصبح قيمته الكلية 4.3 مليار دولار.

كيف توثر الشركات الخاصة على القوة الناعمة للدول؟

عدة مسارات يمكن للشركات الخاصة من خلالها التأثير على القوة الناعمة للدول، حسب تقرير “براند فاينانس”، إذ تعد هذه الشركات القوة الاقتصادية للدولة، ما يمنحها تأثيراً اقتصادياً، كما أنه يمكن لهذه الشركات تشكيل التصورات الثقافية والأخلاقية وطرق الحياة للدولة.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن اعتبار الشركات التي تقود الابتكار والتكنولوجيا ممثلين للابتكار والبراعة التكنولوجية في الدولة، كذلك يمكن للشركات المساهمة في سمعة الدولة، عبر تعزيز المبادرات الاجتماعية والأعمال الإنسانية التي تتماشى مع قيمها الخاصة وقيم دولتها.

وضرب التقرير عدة أمثلة لشركات عالمية عززت القوة الناعمة لبلادها، مثل: شركة مايكروسوفت الأمريكية، وأرامكو السعودية، وسوني اليابانية، وهواوي الصينية، وشركة إيكيا الهولندية، وشركة يونيليفر الأمريكية.

الخلاصة

– تتجنّب القوة الناعمة اتباع الوسائل التقليدية للسياسة الخارجية، لتحقيق التأثير عالمياً، بل تستثمر في أدوات ووسائل أخرى مثل العلامات الوطنية والإرث الثقافي والتاريخي لتقدم سردية مقنعة قادرة على جذب الآخرين.

– تعزز القوة الناعمة سمعة الدولة وتمثل أدارة رئيسية في عالم اليوم، لزيادة النفوذ والحضور الفاعل إقليمياً ودولياً.

– إلى جانب مكانتها الدينية عالمياً كمهبط للوحي ووجود الحرمين الشريفين على أرضها، ما يمنحها ثقلاً وحضوراً بارزاً، تبنت قيادة المملكة استراتيجيات تقوم على تعزيز وتنويع مصادر القوة الناعمة.

– أولت المملكة اهتماماً بقطاعات مستحدثة مثل السياحة والترفيه وإطلاق ورعاية مبادرات إقليمية ودولية، لتمنحها تلك العناصر قوة ناعمة سجّلت بها حضوراً وتقدماً على مؤشر “براند فاينانس” للقوة الناعمة.

– هذا الصعود الذي سجلته المملكة ارتبط برؤية 2030 التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في أبريل 2016.

– كان من بين العناصر التي أسهمت في زيادة القوة الناعمة السعودية وحضورها عالمياً، تحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي، وتنويع مصادر الاقتصاد تماشياً مع رؤية 2030.

– نجحت المملكة في تحقيق نقلة نوعية في توظيف القوة الناعمة، كما نجحت في تحديث العناصر التقليدية لقوتها الناعمة مثل شركة أرامكو السعودية، وفي الوقت نفسه أولت اهتماماً بإضافة عناصر جديدة وفاعلة لمقومات القوة الناعمة.

– يمثل الاقتصاد قوة دافعة كبيرة لقوة المملكة الناعمة، خاصة وأن اقتصادها هو الأكبر في الشرق الأوسط، كما أنه من أكبر 20 اقتصاداً في العالم.

تقارير ذات صلة